رئيس مجمع الفقه الإسلامي في المؤتمر التفاعلي لقضايا المرأة المعاصرة وحوار الحضارات

    الحمد لله رب العالمين وأزكى صلوات الله وتسليماته الزاكيات المباركات على من بعثه الله رحمة للعالمين وجعله حجة على الخلق أجمعين نبي الرحمة وإمام الهدى عليه أفضل الصلاة وأتمَّ التسليم.

    سعادة النائب الأول لرئيس الجمهورية، الوالدة المجاهدة مؤسسة الإتحاد أ.د سعاد الفاتح، أخانا الحبيب الأستاذ متعدد المواهب المجاهد د. خالد العجيمي، د. عفاف الأمين العام للإتحاد، السادة الوزراء والسادة أعضاء السلك الدبلوماسي، ضيوفنا الكرام، الإخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    نتشرف بكم في هذا الصباح الضاحي في بلاد إئتلف فيها القرآن والسلطان والتآخى فيها العلماء والحكام وتواثقت فيها الدعوة والدولة، نجتمع في هذه الرحاب الطيبة والمباركة لنأتمر بالمعروف على مدى أيام في سياق الإتحاد النسائي الإسلامي العالمي، هذا الإتحاد الذي كان له عُمران، عُمر يوم أن توجه بالدعوة إليه السيد رئيس جمهورية باكستان الأسبق ضياء الحق رحمه الله رحمةً واسعةً، والعمر الثاني الذي تجدد سنة 1996م وما زال يواصل عطاءه على شتى الميادين تعريفاً للرسالة وتعليماً بها وإبلاغاً لها وتواصل مع الشركاء في حملها في ربوع المعمورة وفي مختلف القارات فجزى الله الجميع على ما بذلوا من جهود مقدرة.

    يزدان هذا اللقاء بحضور كوكبة من أخواتنا عضوات الإتحاد الذين أمّوا بلادنا في هذا الملتقى الكريم وإختاروا لعنوان هذا المؤتمر، تحفيزاً لفاعلية المرأة في ظل التحديات المعاصرة وفي قضايا حوار الحضارات وأود أن أقول إن فاعلية المرأة كانت منذ بزوق هذه الرسالة المحمدية التي سطعت على الأرض، فكانت شريكة الرجل في مهمة الإستخلاف وعمارة الكون والحياة، أسلمت وكان أبوها كافراً وأسلمت وكان أخوها كافراً ومنهن من جعلت مهرها الإسلام فإستقلت بعقيدتها وبشعائرها وبشرائعها وبعبادتها ، وكانت شريكة الرجل في الذكر وفي موطن العبادة، كانت شريكة الرجل تشهد الجمعة والجماعة لا تمنع إماء الله مساجد الله وليخرجن تفيلات أي غير متعطرات بزينة، كانت شريكة الرجل في حركة  العلم والعلماء، فإذا ذكر الستة الذين إنتهت إليهم إمامة العلم في المدينة كان على رأس هؤلاء الستة أُمُنا عائشة رضي الله عنها، كانت عالمة بحديث رسول الله وتفسير القرآن وبطب العرب وبشعر العرب وبأنساب العرب  وكان أكابر الصحابة يستفتونها في أغطية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا ذكر الفقه كانت أم الدرداء  الفقهية كانت حاضرة في الجهاد تسقي الجرحى وتداوي المرضى وتؤازر المجاهدين وتناصرهم وتقول أفيكم رسول الله، كل مصيبة بعدك أمرها يهون، بعد أن إطمأنت على سلامته وعافيته، شاركت في الحركة السياسية ، ناصحةً، آمرةً بالمعروف ناهيةً عن المنكر، لقد عهدتك يا عمر تسمى عُميراً تصارع الأولاد في سوق عكاظ، فلم تلبث الأيام أن ذهبت حتى سميت أمير المؤمنين، فإتقِ الله وأحفظ محمداً في رعيته وأعلم أن من خاف الموت خشي الفوت، قال رجل لقد إجترأتِ وتطاولتي على أمير المؤمنين، قال يا هذا أسكت أما علمت هذه التي سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات فعمر أحرى أن يسمع كلامها، شاركت تاجرةً، مزارعةً، صانعةً، شاركت كذلك في جمع الحديث النبوي في المائة الأولى لما أمر عمر بن عبد العزيز أن يُجمع ما تفرق من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلف بها شهاب الزهري، المرأة الوحيدة التي جُمع عندها أكثر ما تفرق من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت عامرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال أبو شهاب الزهري وجدتها بحر لا ينزح، أكثر ما جمع من الأحاديث كان عند هذه المرأة الصالحة الكريمة، نحن نعلم أن صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله وتعلمون أن النسخة المعتمدة لصحيح البخاري هي النسخة التي رويت  عن طريق كريمة أم بالخير وكذلك صحيح مسلم بل منهن من جعلت مهرها كتاباً في فقه أبي حنيفة وهي فاطمة السمرقندية التي أرادت أن تتزوج فتىً شاباً مليحاً لم تطلب منه أن يكون مهرها سيارة آخر موديل، وإنما إشترطت عليه أن يكون مهرها كتاب أبي حنيفة فألّف كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع في سبع مجلدات أو سبعة أجزاء وهو أوسع موسوعة في فقه أبي حنيفة هذا هو تاريخ المرأة، ولما أرّخ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أربعة عشر جزءاً جعل الجزء الأخير خاص بشاعرات النساء وما عُرفن به من العلم والفقه والأدب والتاريخ واللغة والشعر والعروض، وعرف الناس أن أشعر النساء بل من أكبر من أثرن في مسيرة الشعر العربي كانت الخنساء.

    فكانت المرأة حاضرة في كل حركة الحياة ولذلك نحن نجدد فاعلية المرأة بأن نتصل بذلك الرحم العظيم، الرحم الذي بيّنه القرآن الكريم وبيّنته السنة النبوية وعاشته أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات التقيات المؤمنات وفقيهات المسلمين عبر التاريخ بل إن أشهر علماء المسلمين في التاريخ تلقوا العلم الشرعي الديني الفقهي الأصولي المقاصدي من النساء ، البخاري كانت من شيوخه نساء والترمذي، مسلم، النووي، إبن حجر، كل هؤلاء تتلمذوا على نساء وأخذوا عنهن العلم والمعرفة، فكانت المرأة حاضرة ونحن اليوم حينما نشكو من الأمية الدينية والحضارية في حياة المرأة، نحن نشكو لسبب داخلي في أمتنا وهو فكر الجمود والتقليد الذي أراد أن يعطل المرأة عن رسالتها وقال بأن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من بيتها إلا ثلاث مرات، أن تخرج من بطن أمها إلى الدنيا ومن بيت أبيها إلى بيت زوجها ومن بيت زوجها إلى القبر، لا أدري أهذا خروج أم أنه ظلمات بعضها فوق بعض، والقرآن الكريم يعلمنا في الهدي وقُلن قولاً معروفاً، القول المعروف في حركة الحياة وفي حركة التفاعل(وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى)

، هذا التبرج لا يكون في البيت وإنما هو أدب يتعلق بحركتها في الحياة (ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَم مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتهنَّ) بل إن منهن من شاركت في الحياة السياسية.

    سيدنا عبد الرحمن بن عوف وهو يعرض أمر المرشحين عثمان وعلي رضي الله عنهما على الأمة، إستنضخ المخدرات في خدورهن، النساء في البيوت يستشيرهن في الخليفة الذي يؤم المسلمين يرى رأيهم فهن لهن من الصوت ما للرجال من الصوت حتى تشارك حركتها في الحياة، وشاركت في برلمان التشاور الذي إنعقد في المسجد لما أراد عمر أن يحدد مهر النساء قالت له: لك ذلك يا عمر والله يقول (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً) قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، كانت حاضرة في حركة الحياة الدينية، الفكرية، الإجتماعية، الإقتصادية، السياسية، ولكن للأسف شاع عندنا في عصور التراجع الحضاري الأزمنة المظلمة هذه الأفكار التي ليس لها سند لا من الشرع ولا من الفقه الصحيح ووجب ونحن نعمل على إستعادة فاعلية المرأة أن نرد المرأة بفهم دينها إلى المنبع الصحيح من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الميزان الذي توزن به الموازين الشرعية وبالمقابل وجدنا كذلك تحدياً آخر هو تحدي المنظومة الدولية التي تحاول أن تفرض عبر تشريعاتها في سيداو وفي غير سيداو، منظومة لا تعترف لنا بخصوصياتنا الحضارية وبهويتنا الثقافية تريد أن تجعل من العدالة والمساواة بمعنى التماثل الذي لا يعترف بالفوارق الفطرية الطبيعية بين الرجل والمرأة، يريدون أن يجعلوها نسخة منسوخةً شائعة من ما عليه المرأة في الغرب وهذا تحدى أن تفرض علينا حضارة مركزية كونية لا تعترف لنا بالخصوصية.

    علينا أن تصدى فيما ينبغي أن تصدى له من جهل الداخل ومن كيد الخارج على السواء ونحن نحمد الله سبحانه وتعالى في السودان أن الحركة الإسلامية كانت فعاليتها حاضرة واليوم المرأة المسلمة عندنا الوزيرة، القاضية، والمستشارة، والمشاركة في حركة الحياة جنب إلى جنب مع الرجل تآزرة وتناصره وتعاضده ونحمد الله في مجمع الفقه الإسلامي، المجمع الوحيد في  العالم الذي تشارك في عضويته إمرأتان، إحداهن قاضية وفقيهه والثانية قاضية ومعلمة بالجامعة الإسلامية تشارك مع الرجل جنباً إلى جنب تطرح دليلها وحجتها وبرهانها وتناقش كما تناقش الرجل هذا الذي عرفه التاريخ الناصع، لذلك نجدد فعالية المرأة ودورها وأول ما نعمل لرسالتنا على إستعادة هذه الفعالية من الأصول الشرعية الصحيحة وليس من عصور التراجع الحضاري والتخلف في أمتنا ومع التأكد لما دعت له د. عفاف من مؤتمر دولي ترعاه منظمة التعاون الإسلامي لتحقيق التعايش بين الحضارات، أقول قبل ذلك نحتاج إلى مؤتمر دولي لنحقق التعايش بين أهل القبلة الواحدة والملة الواحدة والدين الواحد، لأن الخلافات المذهبية والطائفية والفقهية عصفت بأمتنا  وفرقتها أيدي سبأ وسلطت عدواً عليها.

    وواجب علينا أن نرتب البيت السني من الداخل وواجب علينا أن نوحد صفنا وأن نألّف بين رؤيتنا ، فإذا أقبلنا على الحوار الحضاري إنطلقنا من رؤية واحدة وإنطلقنا من تناقم وتناسق تجاه القضايا التي يطرحها الواقع الحضاري، إن الحضارة هي ثمرة تفاعل الإنسان المستخلف المكرم مع الكون والحياة هذه هي الحضارة، إنسان مستخلف وكون مسخر ثمرة التفاعل بين الإنسان المستخلف والكون المسخر هذه هي الحضارة، ونحن نؤمن بأنه لا قطيع في البناء الحضاري، ونحن لا ندعو إلى القطيع ولكن ندعو إلى التفاعل الحضاري وفرق بين التفاعل الحضاري وبين الغزو الحضاري، لأن الغزو إجتياح من القوي إلى الضعيف، لا يعترف بخصوصيته، أما التفاعل الحضاري أخذ وعطاء نعطي أفضل ما عندنا ونأخذ أفضل ما عندهم، وأنبه ثالثاً كذلك في قضية التفاعل الحضاري أن العالم اليوم قد غدا قرية صغرى وليس قرية كبرى، وأن في هذا الفضاء ما يسمى بالثورات الست، ثورة الإتصال، ثورة الفضاء، ثورة التكنولوجيا، ثورة المعلومات، ثورة البيولوجيا، وثورة الجينات.

    جعلت هذا الفضاء يدخل على مضاجعنا ومهاجرنا ومخادعنا بغير إذن منا وفتح على أبناءنا تأثيراً بالغاً على عقولهم وقيمهم وسلوكهم وأول ما ينبغي أن نعتني به المرأة المسلمة، كيف نحافظ على هذا النشئ وهذا الجيل ليظل سليم العقيدة، صحيح العبادة، قوي الفكر، متين الخُلق ينتمي إلى دينه وأمته وحضارته.

    ما قيمة أن نبني الدور والقصور وأن تضيع الأجيال الذين هم نصف الحاضر وكل المستقبل هذا تحدٍ كبير ينبغي أن نعمل عليه.

وأخيراً لا أود أن أطيل لا يكفي أن تكثر من لعن الظلام بل علينا أن نجتهد في إيقاد الشموع وهذا يعني أن نحرص على فقه البدائل.

    كثير منا يشكو من طغيان الغرب ومن فجور الغرب، الغرب يعمل على تحقيق أجندته، فماذا عملنا نحن لتحقيق أجندتنا وأهدافنا ومقاصدنا ومصالحنا، علينا أن نجتهد في فقه البدائل، حرم الله الربا وأحل الله البيع وحرم الزنا وأحل الزواج ليعطينا نموذجاً من أن نقوم بمبادرات وأن نعمل على تشجيع الإبداع وأن نرعى أهل النبوغ والنابغات من بناتنا وأبناءنا حتى يشكلوا حضوراً فاعلاً في العطاء الحضاري ونقول بأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما زالت حية وما زالت حاضرة وإن تكاثر عليها الخطوب والمحن فالشاعر العربي يقول:

وإن تكن الأيـــــــام تبدلــــــت                                 ببؤسي ونُعمي والحوادث تفعــــــلُ

فمـا لينـت منـا قنـــاة صليبــــة                                ولا ذللتنـــــــا للتي ليس تجمــــــــلُ

ولكن رحلناهــا نفوسـاً كريمـةً                                تحمـــل مـــــا لا يستطــاع فتحمـــلُ

وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا                                فصحـت لنا الأعراض والناس هزلُ